محمد الريشهري
3239
ميزان الحكمة
بل كان اختياره لمن اختارها منهن على نهج خاص في مدى حياته ، فهو ( صلى الله عليه وآله وسلم ) كان تزوج - أول ما تزوج - بخديجة رضي الله عنها ، وعاش معها مقتصرا عليها نيفا وعشرين سنة وهي ثلثا عمره الشريف بعد الازدواج ، منها ثلاث عشرة سنة بعد نبوته قبل الهجرة من مكة ، ثم هاجر إلى المدينة وشرع في نشر الدعوة وإعلاء كلمة الدين ، وتزوج بعدها من النساء منهن البكر ومنهن الثيب ، ومنهن الشابة ومنهن العجوز والمكتهلة ، وكان على ذلك ما يقرب من عشرة سنين ، ثم حرم عليه النساء بعد ذلك إلا من هي في حبالة نكاحه . ومن المعلوم أن هذا الفعال على هذه الخصوصيات لا يقبل التوجيه بمجرد حب النساء والولوع بهن والوله بالقرب منهن ، فأول هذه السيرة وآخرها يناقضان ذلك . على أنا لا نشك - بحسب ما نشاهده من العادة الجارية - أن المتولع بالنساء المغرم بحبهن والخلاء بهن والصبوة إليهن مجذوب إلى الزينة ، عشيق للجمال ، مفتون بالغنج والدلال ، حنين إلى الشباب ونضارة السن وطراوة الخلقة ، وهذه الخواص أيضا لا تنطبق على سيرته ( صلى الله عليه وآله وسلم ) ، فإنه بنى بالثيب بعد البكر وبالعجوز بعد الفتاة الشابة ، فقد بنى بأم سلمة وهي مسنة ، وبنى بزينب بنت جحش وسنها يومئذ يربو على خمسين بعد ما تزوج بمثل عائشة وأم حبيبة . . . وهكذا . وقد خير ( صلى الله عليه وآله وسلم ) نساءه بين التمتيع والسراح الجميل - وهو الطلاق - إن كن يردن الدنيا وزينتها ، وبين الزهد في الدنيا وترك التزيين والتجمل إن كن يردن الله ورسوله والدار الآخرة ، على ما يشهد به قوله تعالى في القصة : * ( يا أيها النبي قل لأزواجك إن كنتن تردن الحياة الدنيا وزينتها فتعالين أمتعكن وأسرحكن سراحا جميلا * وإن كنتن تردن الله ورسوله والدار الآخرة فإن الله أعد للمحسنات منكن أجرا عظيما ) * ( 1 ) وهذا المعنى أيضا - كما ترى - لا ينطبق على حال رجل مغرم بجمال النساء صاب إلى وصالهن . فلا يبقى حينئذ للباحث المتعمق إذا أنصف إلا أن يوجه كثرة ازدواجه ( صلى الله عليه وآله وسلم ) فيما بين أول أمره وآخر أمره بعوامل اخر غير عامل الشره والشبق والتلهي . فقد تزوج ( صلى الله عليه وآله وسلم ) ببعض هؤلاء الأزواج اكتسابا للقوة وازديادا للعضد والعشيرة ، وببعض هؤلاء استمالة للقلوب وتوقيا من بعض الشرور ، وببعض هؤلاء ليقوم على أمرها بالإنفاق وإدارة المعاش ، وليكون سنة جارية بين المؤمنين في حفظ الأرامل والعجائز من المسكنة والضيعة . وببعضها لتثبيت حكم مشروع وإجرائه عملا لكسر السنن المنحطة والبدع الباطلة الجارية بين الناس ، كما في تزوجه بزينب بنت جحش وقد كانت زوجة لزيد بن حارثة ثم طلقها زيد ، وقد كان زيد هذا يدعى ابن رسول الله على نحو التبني ، وكانت زوجة المدعو ابنا عندهم كزوجة الابن الصلبي لا يتزوج بها الأب ،
--> ( 1 ) الأحزاب : 28 ، 29 .